وقفة على الإباحة في الشعر العربي القديم

0

شكل الشعر العربي منذ بروز نهجِه السهلِ في حدود ماقبل الإسلام بمائتي عام كحد أعلى على سبيل الاستظهار – وثيقةً تعريفيةً يمكن الاطلاع من خلالها على أوضاع العرب وأسرار لغتهم وعاداتهم وتاريخهم إلى غير ذلك..

وقد كان أقوى وأسمى أساليبِ التعبيرِ وأكثرِها رواجا وقبولا ، وقد جعلت له أغراض أو بمعنى أدق جُعل لها وقد كانت تلك الأغراض بمثابة قوالبَ أو ميادينَ يتبارى فيه الشعراء , فكان الشاعر موظفا إذا امتدح ومؤرخا إذا سجل واقعة ومحاربا يؤدي جانبا من حقوق الوطن إذا افتخر وهلم جرا ..

وقد لقي الشعرُ عناية وحظوةً من قبَل النقلة والرواةُ كما هو شائع فقد زخرت الدوواينُ والكتبُ الأدبية في اختلاف العصور والأجيال بفنون وأصناف أغراضه على غرار الغزل والحماسة والنسيب والهجاء والرثاء .. الخ .

وإن كان الشعر الجنسي أو الإباحي يعتبر نادرا مقارنة بغيره إلا أنه قد حظي باهتمام بالغ من المصنفين والكتاب إذ قلما يخلو منه تصنيفٌ وإن كنت لم أطلع على من جمع شتاته وأفرده بالتاليف …

ولايخفى أن تلك الندرة الاعتبارية في المنتج الإباحي تعود إلى المنظومة الأخلاقية لدى المجتمع الجاهلي التي تسود فيها القيم والمبادئ الفاضلة حتى قبل الاسلام وقد كان أشد محافظة خاصة فيما يتعلق بالنساء ففي المثل الشائع (كل شيء مهَهٌ مالنساءَ وذكرَهن ) ومعناه أن كل شىء ليس ذا باس سوى مايتعلق بالنساء فحتى الغزل العذري كان يجد صاحبُه منه حرجا وتقريعا ممايضطرُه أحيانا إلى الكناية وعدم الإعراب ..
ومع أن الشعرَ تعبيرٌ عما يختلج في صدر الشاعر وما يدور في خلده ومايقعُ في حياته فهو بمثابة مذكراتِه الخاصة إلا أن الناس كانت تتعاطاه وتتناقلُه فكان يجوب الأرض فيصل الأسواق والبيوت كما تصل البضائع والرسائل ، فكان لزاما على الشاعرِ احترام الذوق العام القاضي باستهجان استخدام الأسلوب الجنسي الفاحش .

ومع ذلك لايحتاج القارئ للشعر العربي إلى كثير من التعمق فيه ليدرك أن عددا من الشعراء استطاع أن يشُذَّ عن القاعدة المثالية متحديا بذلك النهج السائد وإن بقلةٍ تدوالتها الكتب الأدبية تحت إطار الغزل أوالمجون والمغامرات إلحاقا وإن كانت في الواقع هي أخص .

وفي جولة سريعة سنقف عند تجميعاتٍ يسيرةً يمكن اعتبارها شعرا جنسيا أو إباحيا :
انطلاقا من عرَّاب الشعر العربي امرئ القيس بن حجر نجدُ في شعره جرءةً وانحرافا عن الفطرة الشعرية السليمة لكنه استطاع أن يغطي ذاك الانحراف بجزالة لغته وبلاغته وطول قصيدته وتعدد أغراضها مما يشغل السامعَ عن لومه والانكار عليه فيغفر له هفوته ومع ذلك لايمكنُ اعتبار امرئ القيس مثالا متكاملا للقصيدة الإباحية والسبب كماقدمنا لعدم انضباط قصيدة امرئ القيس فهي ملحمة متداخلة الأغراض الشعرية لكن الإباحةَ أحد أغراضها .
فمن ذلك مثلا قولُه في إحدى لامياتِه :
كأنيَ لم أركبْ جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخالِ
ومعنى التبطن هو أن يجعل بطنَه على بطنِه في إشارة إلى وضعية من أوضاع الجماع ، والكاعبُ هي المرأة الصغيرة وهذا لاسم مشتق من الكعب : العظم المعروف بين الرجل والساق ..لأن الصغيرة ينتصبُ ثديها ويأخذ شكل الكعب .
وقولُه كذلك من نفس القصيدة يحكي مغامرة :
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامُنا ورضت فذلت صعبة أي إذلالِ
هنا لم يصرح بل كنى عن ذلك بقوله رُضْتُ وأصله من راض الدابةَ ذلّلها ومنه الترويض ..

ثم مرورا بالنابغة الذبياني وقصيدته المعروف والمسماة بالمتجردة وهو اسم زوجة النعمان بن المنذر وللقصيدة سبب معروف وهي التي مطلعُها :
أمن آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود .
وهي من أعيان الشعر الجاهلي ويمكن اعتبارُها النموذجَ الأوضح للقصيدة الإباحية وخاصة في الأبيات الأخيرة حين يصف فرجها :
وإذا لمست لمست أخثم¹ جاثما² متحيزا بمكانه ملئ اليد
وإذا طعنت طعنت في مستهدف رابي³ المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نَزَعَتَ نزعت عن مُسْتَحْصِف⁴ نَزْعَ الحَزَوَّرِ⁵ بالرشاء المحصد .

واستغرب المعري في كتابه رسالة الغفران حين وجد النابغة في الجنة فسأله عن هذه الأبيات وكيف لم تدخله النار مع امريء القيس فتبرأ النابغة من ذلك الحرح بأن الرواية الصحيحة هي : وإذا لمستُ ، طعنتُ ، نزعتُ بالإسناد لتاء المتكلم وذلك حكاية عن الهمام من قوله في الأبيات المتقدمة :
زعم الهمامُ ولم أذقه أنه يشفى بريا ريقها العطش الصدي ،

ولعل أبا الخطاب عمربن أبي ربيعة هو أبرز شعراء القصيدة الإباحية العرب ، فقد كان يعرف بشاعر المغامرات والمجون ولم يكن عمر مجرد شاعر فاحش بل كان مجيدا بديعا في فحشه وإباحيتِه حتى أن النساء في زمنه كن يندبن شعرَه حتى يذكر محاسنهن بأسلوبه الجريء ، وقصصه في ذلك عديدة يضيق المقام عن ذكرها ومن أبرز ماقال في ذلك :
وَناهِدَةِ الثَديَينِ قُلتُ لَها اِتَّكي… عَلى الرَملِ مِن جَبّانَةٍ لَم تُوَسَّدِ
فَقالَت عَلى اِسمِ اللَهِ أَمرُكَ طاعَةٌ … وَإِن كُنتُ قَد كُلِّفتُ ما لَم أُعَوَّدِ
فَما زِلتُ في لَيلٍ طَويلٍ مُلَثِّماً … لَذيذَ رُضابِ المِسكِ كَالمُتَشَهِّدِ
فَلَمّا دَنا الإِصباحُ قالَت فَضَحتَني.. فَقُم غَيرَ مَطرودٍ وَإِن شِئتَ فَاِزدَدِ
فَما اِزدَدتُ مِنها غَيرَ مَصِّ لِثاتِها….. وَتَقبيلِ فيها وَالحَديثِ المُرَدَّدِ .

وأيضا :


ما زلت ابغي الحي أتبع ظلهم … حتى دفعت إلى ربيبة هودجِ
فوضعتُ كفي عند مقطعِ خصرِها…. فتنفست نفسا ولم تتلهجِ
قالت: وعيش أبي وحرمة أخوتي … لأنبهن الحي إن أم تخرجِ
فخرجت خيفة قولها فتبسمت … فعلمت أنَّ يمينها لم تحرجِ
فلثمت فاها آخذاً بقرونها … شرب النزيف ببرد ماء الحشرجِ

وهكذا هو اللون الطاغي على ديوان عمر بن أبي ربيعة وأقواله فيه كثيرة نكتفي بهذا القدر منها .

ثم من الشعر ماهو محض الإباحة فاحشٌ وصريحٌ كقول النابغة الجعدي وقد أوردها صاحب الاغاني :
ألاحييا ليلى وقولا لها هلا …. لقد ركبتْ أيرا أغرَّ محجلا
دعي عنكِ تهجاءَ الرجال وأقبلي … على إذلغي يملأ استك فيشلا .

إذلعي : الذكر الضخم او المنسوب لرجل اسمه الأذلغ بن شداد كان نكاحا ،، والفيشل : الحشفة تجمع على فياشل ، ومنه قول جرير :
ماكان ينكر في ندي مجاشع … أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل .
ويقول الفرزدق :
أدخلت فيها كذراع البكر ….مدملكَ الرأس شديد الأسر
زاد على شبر و نصف شبر……كأنني أولجته في جمر
يطير عنه نفيان الشّعر……نفى شعور الناس يوم النحر 
وله أيضا :
فَبِتْنَ بِجانِبِيَّ مَصرَّعاتٍ … وبتُّ أَفضُّ أَغلاَقَ الخِتاَمِ
كأَنّ مَفالِقَ الرَّمان فيه … وَجمرَ غضًى قَعدْن عليه حَامِ

ولبعضهم في زواج سجاح بمسيلمة الكذاب :
إن سجاحاً لاقت الكذابا … نبية نحلت الكتابا
وجعلت كعثبَها⁶ قرابا … أوقب فيها أيره إيقابا

والآخر في وصف الفرج :
جارية كالغصن غصن البان :: بيضاء من مصائد الشيطان
لها هنٌ مستهدف الأركان :: أقمر ينطلي بزعفران
أخثم يملأ راحة الإنسان :: بجبهة كالقدح الجيشان
رابي المجس مشرف المكان :: تراه عند الشم و التداني
مبرطما برطمة الغضبان :: بشفة ليست علي إنسان
أفوه مشقوق من الدردان :: أدرد⁷ لا يضحك عن أسنان
كأن فيه فلق الرمان :: أو لهبًا من لهب النيران
يزل عنه الأير في الطعان :: كما يزل طرف السنان
عن ترس محشي من الأقران :: كأنه إذ رأت العينان

ولآخر:


تقول لما غاب فيها و ذهب :: واعجباً من أبره كل العجب
أفضة أيرْك هذا، أم ذهب :: لا بل جلودٌ و عروقٌ و عصب

وله نماذج عديدة وأمثلة كثيرة غصت بها بطون الكتب إلا أنه من الإنصاف أن نقول أن شعر الإباحة رغم ذلك لم يظهر سوى كنشازٍ في المنظومة الشعرية حيثُ لم يكتس طابع الجدية والجودة في أغلبه ،

فأغلب الشعر الإباحي تسوقه أريحيةُ الأدباء للطرفة والتسلية لابقصد التمتع بجودته إلا ماندر منه كشعر عمر بن ابي ربيعة ومتجردة النابغة ونحو ذلك … وإن كان ثم بعض من الشعراء من استطاع بدهاء شديد أن يجعل قصيدته تترنح بين الجرأة والعفة دون ان يفتضح أمرها كالشريف الرضي والفرزدق وبشاربن برد وغيرهم… فيلبسها في الظاهر ثوب العفاف وتضمر بإيحاء خفي إباحيتها حتى لايعكر ذاك صفوها فينقص جودة مضمونها .

Leave A Reply

Your email address will not be published.