الفن السابع في بلاد شنقيط

0

حين نتحدث عن السينما بلسان موريتاني سنقول و بنظرة دونية -تملؤها المثالية المزيفة- أنها مجرد أداة غربية لنشر الخلاعة والمجون بين الشباب، و ماهي إلا انحدار شنيع عن الدين و امتداد للولع السائد بثقافة الغرب الكافر، لكن و بعيداً عن كل تلك السفسطة النمطية التي تولد غالبا من رحم السلفية و الجهل التام بثروات العصر الحديث و حتى القديم، هناك جوانب و أوجه عدة للفن السابع تركت الأثر في أعظم الدول علي مر العصور.

السينما ثقافة، و وسيلة تواصل جماهيري، تعتبر أيضا أقوى وسيلة إعلامية لما تبثه من أفلام يكون لها تأثير كبير سواء في تضليل أو توعية المجتمع، و لعل أشهر استخدام للسينما هو ما قام به النازيون بجعلها أداة للدعاية لأيديولوجيتهم و بناء الوعى الجمعي و الترويج للحرب القادمة.

و بالتالي نجد أن السينما في البداية كان الهدف منها الترفيه و الربح، ثم تم استخدامها بعد ذلك للدعاية الأيديولوجية في فترة الثلاثينات و الأربعينيات ، و بعد الحرب العالمية الثانية تم استخدامها كسلاح من أهم أسلحة القوي الناعمة بالتحديد من قِبل أمريكا بعد إدراكها لقوة تأثيرها و سرعتها في الانتشار حول العالم بالإضافة إلي الزيادة المستمرة لجمهورها علي مشاهدة الأفلام من مختلف الأعمار و الجنسيات، و قوة تأثيرها علي الجماهير بسبب التطور التكنولوجي المستمر علي عناصر الصوت و الصورة و المونتاج، كل هذه المقومات كفيلة لأن تجعل السينما الجانب اللامع و الأكثر تأثيرا من القوي الناعمة.

إن الهدف الرئيسي لأي ثورة هو دعم ركائز تلك “الثورة” عن طريق إثبات شرعيتها، و تعتبر الأفلام و المسلسلات من الوسائل الأسهل لتحقيق ذلك عن طريق رسائل مدسوسة في قالب سينمائي، و من الأمثلة الشهيرة في عالمنا العربي هو الفيلم المصري “جعلوني مجرما 1954” الذي لم يتأخر بعد عرضه صدور قرار بحق كل السجناء ينص على إعفائهم من السابقة الأولى في السجل الجنائي في مصر، و بطبيعة الحال الأمر ينطبق أكثر علي كل الأنظمة السياسية التي تتجه غالبا إلى الأساليب الدعائية للوصول إلي صناعة الإجماع من الشعب أو تأييد الأغلبية -التي أطلق عليها ليبمان مصطلح القطيع الحائر.

و نستنتج من ما سبق أن الهدف من السينما ليس الترفيه فحسب، لسنوات طويلة كانت ولا زالت تعبيرًا عن ثقافات الشعوب، تحكي حاضرها وتحاكيه وتنقل ماضيها بالصورة التي كانت عليها بحسب استخدم المخرج لها، بالإضافة لكونها تعد من أكثر الوسائل نجاحا في تغيير و توجيه الرأي العام، فمشاهدة الفيلم السينمائي شبيهة بعملية تنويم مغناطيسي.

كما نعلم أن المخرجين السينمائيين بادروا ويبادرون دائما بنقد سياسة بلادهم سواء في المجال الداخلي أم في المجال الخارجي، لذلك يمكن القول إن ذروة الإبداع السينمائي تتلخص في مزيج من الترفيه والتسلية، إلى جانب استعراض فكرة نقدية لواقع البلد ترسخ في ذهن المشاهد وتدفعه في حياته الواقعية إلى مشاهدة ما يحدث حوله بوعي أكثر، بل وربما الصمود في وجه المشكلات التي يتعرّض لها. 

تظهر قراءات تحليلة للأرقام والمؤشرات أن إجمالي إيرادات أول عشرة أفلام على مستوى العالم وهي صناعة أمريكية تبلغ 39.699 مليار دولار ، وهو ما يتخطى الناتاج المحلي الإجمالي لبعض الدول العربية وأغلب الدول الأفريقية مثل غانا والكاميرون وساحل العاج، و أن إيراد 10 أفلام سينمائية للولايات المتحدة الأمريكية في عدة شهور يتفوق على الدخل القومي لعدة بلدان عربية وأفريقية، ما يدلل على أن السينما في بلاد العم سام صناعة استثمارية في المقام الأول، مما يوضح دور السينما اقتصاديا للمستثمرين المحليين و المضاعف الاقتصادية التي يمكن التحقق منها بواسطة تحليل نموذج المدخلات والمخرجات و يوضح لنا مدى تأثير مضاعف دور السينما (Cinema Multiplier Effect) على الخدمات المرتبطة بها والاقتصاد ككل بوصفها صناعة مربحة كما أنها رواجًا فنيًا وإبداعيًا، لاسيما مع تطوير الشركات البكرى آلياتها المنتجة.

أكبر عقبة يواجهها السينمائيين الموريتانيين هي نظرة المجتمع التي تنظر إلي كل رواد الفن السابع بنظرة دونية بطعم الاحتقار، مخرجون كثر دفعتهم تلك النظرة السلبية إلي الهجرة أو حتي إلى العزوف عن ممارسة هذا الفن النبيل، ترفيه مرغوب مدفوع الثمن كان سيؤثر علي اقتصاد البلد و يخفف من وطأة البطالة ولو بشكل جزئي، مخرجين كتّاب مهندسي إضاءة أو صوت، و غيرهم من المسميات الوظيفية التي ستوجد مع وجود السينما، بالإضافة لإنتاج الأفلام التي تتضمن فوائد ثقافية واجتماعية للتعريف بالبلاد، كل تلك الكفاءات تم قتلها بسبب مجتمعات تعتبر هي بُؤْرة التزمت.

لا شك بأن الثورة التي قامت بها اتحادية كرة القدم برئاسة العظيم أحمد ولد يحي ستكون مثال و إلهام كبير لباقي الفنون لتبصر النور هي الأخرى في وطننا، و لأن المستقبل على عكس الماضي، فضاءٌ صموتٌ، وبلا لسان، كان السؤال مُلِحًّا: من سيكون “ولد يحي” الفن السابع؟.

Leave A Reply

Your email address will not be published.